الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
مختصر الامثل
الأخلاقية والاجتماعية ، ولأجل إكمال البحث ، تتّجه الآيات إلى بيان نعم اللَّه تعالى لتبعث في الناس حسن الشكر . . . الشكر الذي يكون منبعاً لمعرفة اللَّه وطاعة أوامره ، فيوجّه الخطاب لكل البشر ، فيقول : « أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ » . ثم تضيف الآية : « وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظهِرَةً وَبَاطِنَةً » . « أسبغ » : من مادة « سَبغ » وهي في الأصل بمعنى الثوب أو الدرع العريض الكامل ، ثم اطلق على النعم الكثيرة الوفيرة أيضاً . وتتحدث الآية في النهاية عمّن يكفر بالنعم الإلهية الكبيرة العظيمة ، والتي تحيط الإنسان من كل جانب ، ويهبّ إلى الجدال ومحاربة الحق ، فتقول : « وَمِنَ الْنَّاسِ مَن يُجدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ » . وبدل أن يعرف ويقدّر هبة وعطاء كل هذه النعم الظاهرة والباطنة ، فإنّه يتّجه إلى الشرك والجحود نتيجة الجهل . والملفت للنظر هو أنّ « العلم » : إشارة إلى الإدراكات التي يدركها الإنسان عن طريق عقله ؛ و « الهدى » : إشارة إلى المعلمين والقادة الربانيين والسماويين ، والعلماء الذين يأخذون بيده في هذا المسير ويوصلونه إلى الغاية والهدف ؛ والمراد من « الكتاب المنير » : الكتب السماوية التي تملأ قلب الإنسان نوراً عن طريق الوحي . إنّ هذه الجماعة العنيدة لا يمتلكون علماً ، ولا يتّبعون مرشداً وهادياً ، ولا يستلهمون من الوحي الإلهي ، ولما كانت طرق الهداية منحصرة بهذه الأمور الثلاثة فإنّ هؤلاء لما تركوها سقطوا في هاوية الضلال والضياع ووادي الشياطين . وتشير الآية التالية إلى المنطق الضعيف السقيم لهذه الفئة ، فتقول : « وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا » . ولمّا لم يكن اتّباع الآباء الجهلة المنحرفين جزءاً من أيّ واحد من الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه للهداية ، فإنّ القرآن ذكره بعنوان الطريق الشيطاني ، وقال : « أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطنُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ » . ثم تطرّقت الآية التالية إلى بيان حال مجموعتين : المؤمنين الخلّص ، والكفار الملوّثين ، وتجعلهم مورد اهتمامها في المقارنة بينهم ، فقالت : « وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى » .